الاثنين، 15 سبتمبر 2008

خيارات تحرير نظم التعليم العالي والجامعات في الدول العربية

خيارات تحرير نظم
التعليم العالي والجامعات في الدول العربية

مقدمة
يكاد ما جاء في تقرير التنمية الإنسانية لسنة 2002 م ، أن يرسم صورة واضحة للعديد من القضايا العربية ويضع النقاط على الحروف ويحذر من حجم التحديات المحيطة بنا والتي قد نلامسها يومياً من دون أن يكون لهذا إدراك وتقدير كاف فتترك في اللاوعي العربي المجتمعي ، إما لتواكلية موروثة أو لأزمة وتناقض متعايشان في المجتمع العربي هنا وهناك أو رد فعل لصورة قاتمة عن مستقبل قاتم وكل هذه الصور رسمها التقرير طوال صفحاته المائة والثلاثين .
وما جاء عن التعليم العالي لا يخرج عن إطار عمل ورؤية إستراتيجية وخيارات لا بد من أن تتبناها الحكومات العربية فيما يخص التعليم العالي ، ومنها تحريره أسوة بتحرير القطاعات الأخرى ويكاد أن يكون هذا الطرح متقارباً نوعاً ما مع الطرح الذي جاء به تقرير الاستثمار العالمي لسنة 1999حينما أكد التقرير على أهمية تحرير نظم التعليم العالي في الدول النامية وقبول الجامعات الأجنبية سواء بتأسيسها أو من خلال تأسيس جامعات تابعة للجامعات الأم في الدول الغربية المتقدمة أو ربما من خلال اتفاقات واندماجات .. الخ بين الجامعات العربية والجامعات الأجنبية الأم والذي أطلق عليه الاستثمار الأجنبي المباشر في التعليم العالي .
إذن خيارات التعليم العالي في الدول العربية تتمثل في جامعات حكومية وأخرى خاصة وثالثة أجنبية ، ومن هنا تبرز التساؤلات التالية : إلى أي مدى تستمر الحكومة في عمليات تحرير قطاع التعليم العالي ؟ وما هي مسؤولية الحكومة عن التعليم العالي وعن الجامعة أياً كانت ملكيتها ؟ وما هي مواصفة إدارة الجامعة أياً كانت تبعيتها ؟ ما هي السبل الرقابية للمحافظة على مستوى نوعية المنتج المطلوب ؟ وما هو دور هذه الجامعات في التنمية المستدامة المنشودة ضمن توجهات اجتماعية وبيئية ومجتمعية ؟
يهدف البحث للتعريف بعملية تحرير قطاع التعليم العالي ونشوء جامعات خاصة وأجنبية تعمل جنباً إلى جنب مع الجامعة الحكومية ، وما هي مواصفة الجامعة المنشودة في الوطن العربي وما هي التحديات التي بات على المجتمعات العربية مواجهتها في التعليم العالي لجسر الفجوة التي ما برحت تتزايد يوماً بعد يوم بين عالمين متقدم وآخر متخلف !
انطلق البحث في منهجيته على أساس ما جاء بتقرير التنمية الإنسانية لسنة 2002م من مؤشرات عامة للمجتمعات العربية وخاصة بالتعليم العالي ، ومحاولة كسر طوق الجامعة التقليدية في عصر المتغيرات السريعة والحركة المستمرة الفاعلة ، وبالتالي قد تكون هذه الفرصة الأخيرة للوصول إلى تقنيات العصر الجديد .
أولاً : تحرير التعليم العالي والطرح الجديد 1
جاء ضمن فقرات تقرير التنمية الإنسانية أن هناك أربع سياسات لا بد من أن تتبناها الحكومات العربية كإصلاح جذري للتعليم العالي وفوراً وهي :
السياسة الأولى : هيكل قطاع التعليم العالي ومؤسساته
السياسة الثانية : نشر التعليم العالي
السياسة الثالثة : تحسين النوعية وضمانها
السياسة الرابعة : إقامة نسق للتعليم العالي المتنوع ، والمرن والمواكب لاحتياجات التنمية .
ولغرض تقييم ما جاء به التقرير ضمن فقرة تحرير التعليم العالي لا بد من الوقوف عن كثب على هذه السياسات ومناقشتها للوصول إلى رؤية معاصرة للجامعة العصرية في الوطن العربي منطلقين من تلك السياسات التي تبناها التقرير في إطار عمليات التحرير والتغيير والتحديث :
السياسة الأولى : هيكل التعليم العالي ومؤسساته
وقد تناول التقرير ذلك وحدد تلك السياسة بما يلي :
استمرار مسؤولية الدولة مع تحرير التعليم العالي من سيطرة الحكومة ومن حافز الربح غير المضبوط مجتمعياً ، سوياً ، غير أن مسؤولية الدولة عن التعليم العالي لا تعني أن تكون مؤسسات التعليم العالي حكومية ، والنموذج المطروح هو أن تقوم على مؤسسات التعليم العالي مجالس إدارة مستقلة رباعية التمثيل ( الدولة ، وقطاع الأعمال والمجتمع المدني والأكاديميون ) ويتكامل مع المطلب السابق ضبط حافز الربح في ميدان التعليم العالي تحقيقاً للمصلحة العامة ، وتشجيع قيام مؤسسات التعليم العالي الأهلية غير الهادفة للربح .
ويسترسل التقرير في تحديد مفهوم مسؤولية الدولة عن التعليم العالي ويحصرها بالقيام بثلاث وظائف وبكفاءة وهي كما يلي2:
زيادة التمويل الحكومي والمجتمعي للتعليم العالي
العمل على رفع كفاءة استغلال موارد مؤسسات التعليم العالي
تعظيم العائد المعرفي والمجتمعي
وبعد ذلك يضع التقرير الوسيلة لتحقيق ذلك من خلال
تقنين المحاسبة الجادة لمؤسسات التعليم العالي خاصة قيما يتعلق بالمال العام
إقامة نظم اعتماد جدية لبرامج التعليم العالي وتطبيقها بصرامة لضمان النوعية في جميع مؤسسات التعليم العالي .
لقد طرح التقرير نموذجاً للجامعة العصرية يقوم على :
التنويع في الملكية فقد تكون حكومية وقد تكون أهلية ( خاصة ) ونوه التقرير إلى مسألة تناقض الأهداف بين هذين النوعين من الجامعات ففي الوقت الذي تسعى الجامعة الحكومية إلى تحقيق أهداف اجتماعية تحمّل أعباءها على الموازنة الحكومية بعيداً عن مطلب الربح ، فإن الجامعة الأهلية تركز على الربح كمطلب أساسي بوصفه الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه الجامعة ، وهنا يبرز التناقض بين المؤسسات والذي لا بد من أن يفرز سلبياته على الواقع ، ما بين الهدر في المال العام في النموذج الأول واحتكار خدمات التعليم العالي من قبل الحكومة من جهة ، وما بين التفريط بالنوعية على حساب الربح من قبل المستثمرين في جامعات خاصة في قطاع التعليم العالي ، وقد حسم التقرير الأمر بأن دعا إلى التركيز على إدارة الجامعة وذلك بتشكيل مجلس إدارة مستقل رباعي التمثيل يتكون من ( الدولة وقطاع الأعمال والمجتمع المدني والأكاديميون ) وبالتالي يمكن أن يحل التناقض الحاصل في الأهداف .
إن مشاركة الدولة عبر ممثلها في مجلس الإدارة لتمكينها من تحقيق الكفاءة وقد ربط التقرير ذلك بمسؤولية الدولة عندما أناط بها ثلاثة وظائف هي زيادة حجم التمويل الحكومي والمجتمعي والعمل على رفع الكفاءة واستغلال موارد مؤسسات التعليم العالي وضمان النوعية. فهل يمكن أن يحقق هذا النموذج تلك الأهداف ؟ وهل أن عملية تحرير التعليم العالي وإعادة هيكلته ستؤدي الهدف المطلوب منها ؟ وهل أن الدول العربية قادرة على تطبيق مثل هذه النماذج ؟
الملكية والإدارة
لقد دعا التقرير إلى تحرير التعليم العالي ووفق هذا الطرح فإن المقصود هو دعوة لتحرير الجامعة من سيطرة الحكومة إما بمنح الجامعات استقلالية كاملة إدارية ومالية أو خصخصة الجامعات وقبول الاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل جامعات أجنبية تابعة لجامعات أم أجنبية أو غير ذلك من النماذج وأياً كان الطرح فالذي يفهم هو التخلي عن ملكية الجامعات الحكومية ، وهنا تجاهل التقرير طبيعة الملكية ونمطها القانوني فكما هو متعارف عليه أن المنظمة أياً كانت لا بد أن يكون لها مالك ، فالجامعات الحكومية تملكها الحكومة ، ونمط غير مرغوب فيه كما ورد في التقرير ، إذن ما هي طبيعة الملكية الخاصة هل تكون بصيغة شركات مساهمة ! أم نمط آخر من الشركات ؟ هنا تجاهل التقرير طبيعة الملكية ، وطرح في الوقت نفسه نمطاً إدارياً يقوم على المشاركة بين قطاعات أربعة عبر ممثليهم وهم الحكومة وقطاع الأعمال وقطاع المجتمع المدني وقطاع الأكاديميون ويبدو أن هذا الطرح قد استقى من نظرية الإدارة الإستراتيجية مضمونها وهم المتعاملون مع الجامعة Stakeholders ورغم أهمية هذا الطرح إلا أن السؤال الذي يتبادر للذهن هل يمكن أن يطبق في الدول العربية ؟ بعبارة أخرى ، هل بلغت الدول العربية هذا النضج المجتمعي والمؤسسي والنظمي لكي تحقق تطبيق هذا النموذج ؟ فالدولة ممثلة بالحكومة لا زالت تعيش سلوكاً وموقفاً سلطوياً و مجتمع تغيب عنه منظمات المجتمع المدني غياباً شبه كامل ، وقطاعات للأعمال لم ترسي دعائمها فهي ليست أكثر من قطاعات حرفية ومهنية وشركات تشكل الفردية والتضامنية منها بحدود 99 % من هيكل الشركات في الدول العربية ، و قطاع الشركات يعد من القطاعات الصغيرة لصناعات بسيطة أما القطاعات التجارية فتتباين بين دولة عربية وأخرى وكذلك قطاع الخدمات ، بعبارة ثانية أن قطاع الأعمال لا زالت خياراته ضيقة وقدراته ضعيفة وغياب شبه واضح لهيكلية وإستراتيجية واضحتين . أما التمثيل الأكاديمي في المقترح والذي يعد تمثيلاً للعلم والمعرفة فلا غبار عليه إنما هل يكفي لمؤسسة علمية وبحثية كالجامعة تكون كل قراراتها علمية لا يشكل صوت العلم فيها إلا 25% ؟ لا شك أن الأمر سيكون مثيراً للجدل والنقاش ! التمويل الحكومي والمجتمعي
عرض التقرير مقترحه للجامعة وأناط تمويلها بمصدرين هما الحكومة والمجتمع ، ولا شك أن التمويل يشكل أحد أهم الزوايا الحرجة في التعليم العالي ، وإذا سلمنا جدلاً بأن التمويل الحكومي لا بد منه في الجامعة المقترحة ولم تحدد نسبته ربما هذا يخضع لسياسات الحكومة الاقتصادية والمتاح من التمويل الذي تقدمه الموازنة العامة للحكومة ، ولكن المشكلة في التمويل المجتمعي الذي لم يحدد أطره وسبله ومصادره ! ونظرة بسيطة إلى مجتمعاتنا وتركيبتها الاقتصادية تضعنا أمام رؤى وقناعات غير التي يمكن أن ندعو لها ودعونا نطرح التساؤلات التالية :
ما هو مستوى دخل الفرد في الوطن العربي بشكل عام ؟ وما هو دخل الفرد في الدول غير النفطية ؟ وما هي نسبة الدول العربية الفقيرة قياساً بالمعايير العالمية للفقر ؟ وما هي نسبة الأفراد الذين يعيشون دون مستوى الفقر في الدول العربية ؟ ودعونا من هذا ولنأخذ الجانب الآخر وهو قطاعات الأعمال ودرجة مساهمتها في دعم الجامعات والبحث العلمي ، ونظرة بسيطة لما جاء في التقرير يمكن لها أن تجعل المقترح يأخذ اتجاها آخر غير الذي سار به ! والآن يمكن أن نناقش هذا عن كثب !
إن المشكلة في الدول العربية يمكن أن نطلق عليها مشكلة مركبة وأبعادها متعددة ، ففي الوقت الذي تزداد نسب الفئات العمرية من الشباب والتي تقبل على الجامعات بوصفها مخرجات للتعليم الثانوي ، وأن هذه الزيادات كبيرة وقد أشار لها التقرير ، فالبعد الآخر انخفاض مستوى نصيب الفرد من الدخل القومي ، أما البعد الثالث فيكمن في الإقبال المتزايد من قبل الشباب للدخول في الجامعات بوصفها شرط لا بد منه تكرّس في مجتمعاتنا كعرف اجتماعي في العقود الأخيرة ، وأنّ له حيثياته ، وبالتالي فالمشكلة ثلاثية الأبعاد ، يقابلها جامعات بإمكانيات محدودة وسياسات اقتصادية فاشلة كانت نتائجها واضحة للعيان أشرها التقرير في العديد من الأماكن 3، أيضاً فشل قطاعات الأعمال العربية وخاصة الشركات في أن تحقق هياكل ذات بنى مؤسسية يمكن أن تساند قطاع التعليم العالي وتسهم في رفد حركة البحث العلمي والتطوير ، فقد بقيت شركات صغيرة ضعيفة غير قادرة على المساهمة الفاعلة في الاقتصاد ، وقد كان للسياسات الحكومية التي انتهجتها العديد من الدول ومنذ عقد الخمسينات ولغاية عقد الثمانينات من القرن الماضي الدور الكبير في فشل قطاعات الأعمال ومؤسساته ، بحيث بدت في بداية القرن الحالي مؤسسات ضعيفة محلية وبقدرات مالية بسيطة .
وبعد ، فيمكن للمجتمعات العربية بمنظماتها ومؤسساتها ومكامن ثرواتها أن تسهم بشكل فاعل في تمويل التعليم العالي ولكن فيما لو أحسنت الحكومات استخدام تلك الثروات ونمتها.
النوعية وضمانها
طرح التقرير مسألة النوعية كأحد أهم المتطلبات إقامة نظم تعليم عالي جادة والتطبيق الصارم لضمان النوعية ، وهو مطلب مهم لا بل في غاية الأهمية بوصفه يمثل مخرجات التعليم العالي ، ولكن كيف يمكن تحقيق هذا المطلب ؟ وهل يمكن أن يحقق النموذج الذي جاء به التقرير تلك النوعية وضمانها ؟
عودة على بدء ، والقول أن تلك التركيبة تصلح لمجلس الإدارة ، وباستعراض بسيط لأسبقيات كل طرف يلاحظ ما يلي :
الفئة الأسبقية الأولى الأسبقية الثانية
الحكومة خفض النفقات النوعية
قطاع الأعمال الربح خفض النفقات
المجتمع المدني الدعم والمساندة ـــــ
الأكاديميون الدخل النوعية
وبالتالي فقد لا تجد النوعية من يدافع عنها في هذا النموذج المقترح كأسبقية أولى أو ربما كأسبقية ثانية ! ترى كيف يمكن بناء نوعية عالية ضمن عالم تسوده تطورات متسارعة في ظل ثورة معرفية لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل ؟ ودعونا نفصح عن ذلك وبجلاء ، وببساطة يمكن القول أن بناءً علمياً وأكاديمياً ومهارياً بنوعية عالية أي بمستوى ما تخرجه الجامعات المشهود لها والمعترف بها في العالم المتقدم يستلزم تكنولوجية معلوماتية واتصالاتية وأطر ذات خبرات وكفاءات رصينة و... الخ والسؤال كيف يمكن لهذه الجامعات أن توفر كل هذا لتحقق شرط النوعية وتضمنها ! ثم ما هي الجهات التي تضمن النوعية ؟ هل هي وزارة التعليم العالي أو هيئة التعليم العالي الممثلة للحكومة ؟ أم هي مؤسسات أكاديمية متخصصة ؟ أم هو السوق ؟ أم من ؟ ثم ما هي المعايير التي تستند تلك المؤسسات الضامنة في ضماناتها ؟
السياسة الثانية : نشر التعليم العالي
أكد التقرير " أن ما زال البون شاسعاً بين البلدان العربية والبلدان المتقدمة في انتشار التعليم العالي الأمر الذي يبين فساد القول بتقليل الإنفاق على التعليم العالي لمصلحة التعليم الأساسي من ناحية ويؤكد حاجة النهضة في الوطن العربي لنشر مؤسسات التعليم العالي في ربوعه " من ناحية أخرى ويضيف التقرير" أنه من الضروري مراعاة اعتبارين مهمين في ذلك الأول تلافي أخطاء التوسع غير المحسوب والثاني التصميم على النوعية الراقية والتنوع والمرونة والتركيز المعرفي والأشكال التنظيمية المطلوبة للتقدم العلمي " .
يتضح مما تقدم وعرض السياسة الثانية أن هناك أمرين تركز عليهما هذه السياسة وهما التوسع مع ضمان النوعية وأي نوعية منها الراقية ... هذا ما يمكن فهمه من التقرير فكيف يمكن تقييم هذا الطرح في ظل بحث الجامعة العصرية في الوطن العربي ؟ إن مراجعة بسيطة لعدد وحجم والطاقة الاستيعابية لمؤسسات التعليم العالي وبالتحديد الجامعات للعقدين الأخيرين من القرن العشرين يلاحظ أن هناك نمواً كبيراً في الدول العربية وخاصة بعد سنة 1990 حيث بدأت العديد من الدول العربية في تنفيذ سياسات تحرير قطاع التعليم العالي وبدأت بتأسيس الجامعات الأهلية وبشكل واسع جداً . أما الأمر الثاني الذي ترافق مع نشر التعليم العالي يتمثل في النوعية ، وهنا عاد التقرير ليؤكد على النوعية في التعليم العالي فهل يمكن أن تتحقق هذه المعادلة ؟
إن معيرة مخرجات التعليم العالي على أساس المعيرة العالمية للسلع والخدمات أمر يحتاج إلى المزيد من الفحص والدراسة ، ورغم أن هناك العديد من الدعوات بها الاتجاه ومضمون ذلك أن تعد مواصفة أيزو لمخرجات التعليم العالي وقد يكون هذا طرحاً نظرياً أكثر منه عملياً على مستوى الدول العربية على الأقل !
نعود الآن إلى مسألة نشر التعليم العالي والتوسع فيه وهو أمر غاية في الأهمية إلا أن المشكلة المزمنة في الدول العربية والتي أثرت على الأمرين الذين ركز عليهما التقرير وهما نشر التعليم العالي والنوعية تكمن في السياسات الحكومية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتي انعكست على هذين الأمرين فكيف كان ذلك ؟ إن أهم سمة يمكن أن تطلق على تلك السياسات الحكومية بأنها سياسات فاقدة للتوازن بين التوسع والنوعية ، فمن الدول من توسع فانخفضت النوعية ، وهناك من ركز على النوعية ولكن مسار التطور العالمي كان أسرع منه فبات بحكم المنخفض النوعية في مخرجاته ! إن تبني سياسات واضحة وكفوءة وفاعلة قد يكون كلاماً غير ذي نفع ، أما القول بأن ضيق خيارات الحكومات العربية تجاه التعليم العالي بسبب الصراعات الفكرية والأيديولوجية وتناقض النظم السياسية وتباين الأسبقيات بين الحكومات واللحاق بأفكار أحادية الجانب وغيرها كثير ، خلقت ضعفاً في سياسات التعليم العالي فلم تعد الحكومة تفكر في خيار الجامعة الكبيرة أم الصغيرة أو خيار البناء المهاري أم البناء الشكلي الصوري ، ولم تتبنى الحكومات مطالب البناء المعرفي للمخرجات وإنما تبنت متطلبات سياسية وأخرى ثقافية فكانت استهلاك للقدرات البشرية لفئات الشباب وتكريس للثقافات المحلية ودفن لقدرات وطاقات خلاقة ..... الخ فكان توسعاً كمياً وتدنياً نوعياً وتكريساً لفجوة التخلف وتهميش للمعرفة ، رغم أن التباين كبير جداً بين دولة عربية وأخرى .
السياسة الثالثة : وتنص على " إحداث هزة شديدة لمؤسسات التعليم العالي القائمة بهدف تحسين النوعية مع عدم السماح بمؤسسات جديدة عامة أو خاصة إلا بضمان مستوى نوعية أرقى جوهرياً من السائد " ، ويقترح التقرير بالنسبة لمؤسسات التعليم العالي القائمة بأن تعمل ضمن خطة متكاملة الأبعاد تتضمن :
تحسين دخول أعضاء هيئات التدريس
تحسين الإمكانات وتجهيزات التدريس والبحث بالمقارنة بعدد الطلاب
وضع برامج فعالة لترقية قدرات هيئات التدريس من خلال اعتماد برامج التدريب الجاد والبحث والتدارس في الداخل والخارج قبل الالتحاق بالهيئة التدريسية
تأسيس مبدأ التنافس كعنصر جوهري ومستمر في شغل مناصب هيئات التدريس
قصر التعين الدائم على الأساتذة المتميزين
إنشاء مراتب أرقى من الأستاذية
دعم المنظمات المهنية العلمية للأكاديميين والباحثين
إعادة النظر في هياكل وبرامج التعليم العالي القائمة لتفادي التكرار النمطي في نسق التعليم العالي ككل
تلبية احتياجات التنمية بالتعاون مع مؤسسات الدولة وقطاع الأعمال والمجتمع المدني
تغيير أساليب القبول بمؤسسات التعليم العالي
ويبقى السؤال ، هل أن هذه الآليات يمكن أن تحقق هزة بالتعليم العالي ؟ ثم من ينفذ هذه الآليات ؟ وكيف ؟ وما هي أدواته ؟
لا شك أن مسؤولية نقل هذه الكلمات إلى برامج عمل وأداء لا بد أن يتم ضمن حاضنات معرفية يمكن أن تكون الجامعات الحكومية ، ويبقى المبرر الأهم أن مثل هذه الجامعات هي الأقدر من حيث الإمكانية لتطبيق هذه المعايير ، ولكن فيما إذا توفرت إدارة قادرة على إحداث هذا التغيير على مستوى التعليم العالي كخطة قطاعية تتبناها الحكومة ومن ثم تنطلق لتضع تلك الحاضنات في حيز التطبيق ، إذ لا يمكن مطالبة الجامعات التي هي قيد التأسيس بمثل هذه الآليات إنما على الجامعات الجديدة الالتزام بمتطلبات كالتي ذكرت ، والأهم هو الجامعات الحكومية فهل يمكن أن تحقق ذلك ؟
إن الفترة منذ سنة 1995 م يمكن وصفها بالسنوات الحرجة المتسارعة التغيير بحيث بات العنصر المحرك للتعليم العالي وهو التدريسي أمام تحد خطير مفاده كيفية مواكبة تلك التغيرات المتسارعة وقد أحدث هذا شرخاً كبيراً بين أعضاء الهيئة التدريسية الواحدة فمنهم من لم يستطع ملاحقة التغيرات تلك ، وهناك من لاحق التغيرات وواكبها وبالتالي كان في الجامعة الواحدة فئة من التدريسيين التقليدين لم تواكب التطورات ، وأخرى مواكبة مع الأعضاء الجدد الذين تنقصهم الخبرة والممارسة وبين هاتين الفئتين فئة ثالثة بين بين ، وأن من الأسباب التي عوقت عضو الهيئة التدريسية الثقل المادي والإجراءات والتعليمات الحكومية وأيضاً جهل بعضهم باللغة الإنكليزية وعدم وجود الدافع والحافز والأهم من كل هذا هو تسيس الجامعة وأطرها ... الخ كل هذا قاد إلى حاجة ملحة إلى برنامج إعادة تأهيل أستاذ الجامعة المستمر من خلال : ضرورة أن يتقن على الأقل لغة أجنبية ، والتعامل مع التقنيات المعلوماتية والاتصالاتية ، والترصين البحثي والمشاركة بالمؤتمرات إلى غير تلك الأنشطة التي يمكن أن تحفز التدريسي لإعادة دوره بعد أن سبقه الزمن !
الأهم من كل ما سبق وإضافة له ، عامل آخر يكمن في الإدارة !!! وأقصد هنا الإدارة الجامعية !! وليس الأمر بحاجة إلى كثير تفكير ودراية ، فكل ما سبق ذكره يبقى حبراً على ورق إذا لم تهيأ إدارة قادرة على تعبئة كل هذه البرامج وتحويلها إلى فعل وحدث ؟ وهنا عطفاً على ما ورد في السياسة الأولى في موضوع مجالس الإدارة ، ولكن في ظل بيئة يملئها الفساد وغياب واضح لنظم ديموقراطية نابعة من حركية المجتمعات العربية يبقى الأمر محض كلام ، ناهيك عن غياب واضح للقدرات الإدارية على مستوى قطاعات الحكومة والأعمال والصحة والتعليم وغيرها وهذا ما دعت إليه منظمة اليونكتاد في تقرير الاستثمار العالمي لسنة1999 والدعوى لتأسيس جامعات أجنبية قادرة على تأهيل أطر إدارية للعمل في الشركات متعدية الجنسية في الدول النامية وعلى ضوء ذلك بدأت الدول تقبل الاستثمارات الأجنبية المباشرة في التعليم العالي 5 .
السياسة الرابعة : إقامة نسق للتعليم العالي المتنوع والمرن والمواكب لاحتياجات التنمية ، يستهدف إعداد أفراد قابلين للتعلم الذاتي والمستمر وقادرين عليه عوضاً عن مجرد متعلمين وأن يساهم عضوياً في نهضة المجتمع . ولهذا يتعين أن يكتسب التعليم العالي مقومين أساسين التنوع والمرونة خاصة في الاستجابة لمقتضيات التغيرات السريعة محلياً وعالمياً 6.
التنوع : وقد ركز التقرير على هذا الموضوع بشكل كبير ومضمونه :
تنويع مؤسسات التعليم العالي
تنويع المعرفة
ربط الفرد بالجامعة مدى الحياة من خلال البرامج المستمرة للتأهيل والتدريب
التعاون مع قطاعات الأعمال
التعاون مع منظمات المجتمع المدني
تنويع مراكز البحث والتطوير
المرونة : أما المرونة فقد تناولها التقرير وفقاً لما يلي :
حرية الخروج والعودة لمؤسسات التعليم العالي
المراجعة المستمرة للبرامج التعليمية ومحتوياتها لتلبية متطلبات التطور والاستجابة له
مما لا شك فيه أن ما جاء في نسق التعليم العالي كسياسة يمكن أن تتبناها مؤسسات التعليم العالي يعد مخرجاً مناسباً للمأزق الذي تمر به مؤسسات التعليم العالي العربية في الوقت الحاضر ! وتبقى المشكلة إن كل ما ورد يحتاج لنقله إلى فعل مؤثر وتنفيذ فاعل فهل يمكن أن يتحقق ذلك ؟ يجيب التقرير بأن مجالس إدارات الجامعات الرباعية التمثيل يمكن أن تسهم في تنفيذ هذه الآليات وتحويلها إلى أنشطة تدعم تطوير قطاعات التعليم العالي .
جميل جداً أن يقرأ الفرد مثل هذه التطلعات ، والأجمل أن ينقلها إلى شعارات يحاكيها ولكن تبقى الدول العربية تعيش واقعاً يمكن وصفه بالمؤلم عبر كل المعطيات التي تناولها التقرير وأولها الفساد7 . ويكاد من يقرأ الصفحات الأولى والتي جاءت تحت عنوان مستقبل للجميع يجد أن ثروة الأمة في ناسها ولكن ؟ يقر التقرير بأن الطريق ما زال طويلاً وهنا أكاد أشبّه ما ورد ضمن هذا العرض الجميل للتعليم العالي وسياساته ومقترحاته مع ما ورد في التقرير نفسه من أنها أشبه ما تنص عليه الدساتير والقوانين والتصريحات على قبول الديموقراطية وحقوق الإنسان بحكم القانون وأن التطبيق الفعلي عكس ذلك فكل شيء يجري إغفاله وتجاهله وكذا الحال في كل مناحي الحياة .......8
ثانياً : الاستثمار الأجنبي المباشر في التعليم العالي 9
إن ما جاء في تقرير الاستثمار العالمي لسنة 1999 10، وفي إطار مناقشته لسياسات الموارد البشرية وتحت عنوان FDI in business education: recent trends and considerations يعد مسألة بالغة الأهمية ينبغي التوقف عندها مليا ، لذا سيتناول هذا المبحث عرضا لما ورد على تلك الصفحات ليتسنى فهمها أولا ، ثم تقيمها لاحقا .
لقد ابتدأ التقرير بأن الحاجة التنافسية للدول النامية تستلزم مهارات عالية التأهيل من المدريين والعلماء والمهندسين من موظفي الحكومة ، وأن هذا المطلب يوفره التعليم العالي ، وقد دأبت الحكومات على توفير مثل هذه الخدمات التعليمية بشكل مباشر أو غير مباشر ، وكانت دائما حذرة كل الحذر من المؤسسات الأجنبية التي تقدم مثل هذه الخدمات وخاصة في الجوانب الثقافية والسياسية كونهما حقلين حساسين لدى الكثير من تلك الحكومات .
إن أخذ محددات الدول النامية في الإنفاق الحكومي وأيضا فيما تقدمه المؤسسات التعليمية العالية الخاصة يمكن أن يضع مؤسسات التعليم العالي الأجنبية جنبا إلى جنب مع مؤسسات التعليم العالي الوطنية بهدف توسيعها وترصينها ، وأهم المؤسسات تلك التي تخص الإدارة والأعمال بهدف تخريج الخبرات الإدارية التي تحتاجها فروع الشركات متعدية القومية. لقد قطعت الدول المتقدمة أشواطا في مجال التعليم العالي والتدريب ، وأن عملية الاستفادة من الخبرات المتقدمة للمهارات الإدارية يستلزم نقلها إلى الدول المضيفة لتحقيق الهدف الذي يسعى الاستثمار الأجنبي المباشر له. ولقد ورد هذا في بنود منظمة التجارة العالمية حول إمكانية الدول المتقدمة من توفير الخدمات التعليمية والذي يتطابق ويتزامن مع حاجة مؤسسات التعليم العالي في الإدارة والأعمال في الدول المتقدمة لإيجاد مصادر تمويل جديدة لغرض تحقيق الاستمرار وخلق العوائد .
أما الدول المضيفة وخاصة النامية منها فهي بالمقابل يمكن لتلك لمؤسسات التعليم العالي الأجنبية وخاصة الـ Business School منها أن تقدم الكثير من الفوائد والخبرات عبر الحدود ومتخطية لها سواء كان من خلال تقديم الخدمة عبر الحدود أو عن طريق الأدوات الألكترونية والشبكات ، وبالتالي يمكن للشركات متعدية القومية أن تستخدم الأطر المحلية ذات الخبرات الإدارية العالمية . إن المشكلة التي يمكن أن تواجهها الدول النامية هي مالية بطبيعتها ، وذلك بسبب الآثار المالية التي يمكن أن تخلفها تلك العملية على ميزان المدفوعات لتلك الدولة ، وتزاد المشكلة وتتفاقم عندما تؤشر الأرقام أن 30% تقريبا من عدد الطلبة في الدول النامية تدرس خارج حدود دولها ، وبالتالي فإنه لغرض تقليل تدفق العملات للخارج والمرتبطة بنفقات التعليم للدراسة في الخارج ، فقد برزت العديد من الخيارات التي تبنتها الدول النامية وخاصة في دول شرق آسيا وأمريكا اللاتينية ومنها :
1 - اعتماد مقررات من قبل الجامعات الوطنية الخاصة والعامة تغطى في جامعات أجنبية في جوانب معينة .
2 - إقامة شراكات مع جامعات أجنبية بهدف تغطية خدمة تعليمية معينة
3 - تأسيس فروع لجامعات أجنبية في دول مضيفة
4 - اندماج فروع جامعات مع جامعات وطنية .
وإذ يورد تقرير الاستثمار العالمي لسنة1999 كل هذه التفاصيل فإنها موثقة أولا مع ذكر الحالات التي تم التعامل بها وهنا يوضح التقرير الاتجاهات العامة ويضع اعتبارين على الحكومات الأخذ بهما وهما :
الاعتبار الأول : أن تأخذ الحكومات في الدول النامية مسألة الانفتاح في نظم التعليم وقبول الاستثمار الأجنبي المباشر فيه ، خاصة في دعم بعض البرامج التعليمية في إدارة الأعمال وتسهيل مهمة دخول تلك الخبرات والاستثمارات ، ولا ضير أن تكون عن طريق بعض المنظمات الدولية التي تعني بالثقافة والعلوم .
الاعتبار الثاني : ويهتم بصناع السياسات وضرورة النظر الى ما وراء عمليات تسريع التأهيل والتدريب للمديرين لشركات قطاعات الأعمال ، وأيضا للعاملين في الإدارة الحكومية بما فيها من قطاعات خدماتية وإنتاجية سلعية ، إن هذا سوف يسهم في دعم القدرات وتطويرها ضمن عمليات صياغة وتنفيذ وتقييم سياسات الأعمال وإدارتها .
لقد طرح التقرير كل هذا وعرض عدد من الخيارات التي يمكن للحكومة أن تتبناها في مجال إدارة مواردها البشرية ويضع التقرير أيضا العديد من الحالات ويستشهد بها من هنا وهناك ومنها : اتفاق جامعة باث البريطانية مع معهد ماليزيا للإدارة وكذلك اتفاق مدرسة لندن للأعمال مع جامعة هونكونك للعلوم والتكنولوجيا وأيضاً ، جامعة ماكجل الكندية مع بعض الجامعات الصينية وأمثلة كثيرة أخرى ، ويوضح التقرير أن الجامعة متعدية القومية باتت أمرا طبيعيا فهناك تقريبا 4000 جامعة متخطية للحدود في أمريكا فقط ، وأن الحاجة متزايدة وبشكل متسارع على المؤهلات الإدارية العليا في الدول المضيفة للاستثمار الأجنبي المباشر ، فمثلا تبلغ حاجة الصين في السنوات القليلة اللاحقة أكثر من مليون مؤهل لشهادة MBA .
ثالثاً : خيارات التعليم العالي : الجامعة العصرية
إن قراءة لما جاء في التقريرين الأول الخاص بالتنمية الإنسانية للدول العربية للعام 2002 والثاني حول الاستثمار الأجنبي في التعليم العالي ، يوضح بجلاء الحاجة إلى تحرير نظم التعليم العالي والخروج من حالة البؤس التي يعيشها هذا القطاع ، نعم إنها قطاعات عريقة في العديد من الدول العربية تمتد في تاريخها إلى العقود الأولى من القرن العشرين ، ولكن المشكلة اليوم في عمليات التحديث التعليم العالي التي يجب أن تواكب التغيرات والتطورات في العالم ، نعم أن الجامعة ما هي إلا أحد منظمات المجتمع ، فهو البيئة التي تنضج فيها الجامعة وتتطور فلا يمكن أن نتصور أن تكون جامعة أكسفورد البريطانية في اليمن أو في السودان أو في غيرها من الدول العربية فلكل مجتمع مساره ولكن هذا لا يعني أن تكون الجامعة العربة التي يسحبها الحصان وإنما العكس هو أن تكون الجامعة بمثابة الحصان الذي يسحب المجتمع من خلال الإشعاع الفكري والعلمي لها فيه . ويكاد ما يطرح عبر كل هذه المنابر في الأمم المتحدة ومؤسساتها هنا وهناك ، هو لتـأكيد أن تحقيق تنمية إنسانية لا يمكن أن تتم إلا من خلال حكومة تؤمن بالتغيير ومن ثم إدارة لقطاع يؤمن بالتغيير ، ومنذ أن تبنت الحكومات سياسات تحرير قطاعاتها الاقتصادية والمالية أسوة بما يجري في العالم من حركة دائبة وتسابق محموم نحو تحقيق المزيد لم يعد في خانة الدول العربية خيارات كثيرة وبات الخيار الأهم الذي بدأت تتبناه الدول العربية وحكوماتها يكمن في تحرير قطاعاتها ولكن الذي يحصل هو فهم الظاهرة بعد فوات الأوان ، وهذا ما نبه إليه التقرير في أكثر من مكان ، ووضح وبكل دقة أنه وفي حالات كثيرة يتسم نمط الحكم بوجود جهاز تنفيذي قوي يسيطر على جميع أجهزة الدولة وسط غياب لشبكة متينة من علاقات الضبط والمساءلة . فالديموقراطية التمثيلية حيث وجدت ليست دائمة حقيقية وغالباً ما تُلجم حريات التعبير والتنظيم وتغيب المعايير الحديثة للشرعية . وتنطبق كل الحقائق على كثير من نواحي الحياة ومنها المرأة ، وتكبيل العقول وكبوة الاقتصاد واللامساواة في القدرات والفرص . وأخص بالذكر الجامعة كمؤسسة علمية تعمل في المجتمعات العربية : أليست هي جامعات مكبلة في العديد من الدول العربية ليس المقصود أنها مكبلة سياسياً فقط وإنما مكبلة اجتماعياً وإدارياً ومالياً ... الخ ؟ ألم يلقي المجتمع بظلاله الثقيلة كأغطية للعمل العلمي والبحثي ؟ ألم تخترق حدود الحرم الجامعي ولأي سبب كان بفعل اجتماعي أو سياسي أو حتى أخلاقي ؟
خلاصة الأمر أن التقريرين يدعوان إلى تحرير قطاع التعليم العالي والدعوة إلى تأسيس الجامعات والتوسع فيها إلا أن تقرير اليونكتاد 1999 م دعا إلى تأسيس جامعات أجنبية لتوفر الأطر الماهرة إضافة إلى العديد من الدعوات في مؤتمرات ومنتديات وملتقيات كلها تصب في خانة واحدة مضمونها تحديات خطيرة وتطورات متسارعة واستجابة ضعيفة وقدرات بائسة ... ... فأين هو الخيار الأفضل من بين الخيارات التي يمكن أن تتبناها نظم التعليم العالي أو الجامعات لتكون عصرية ؟ فهل أن الأمر كله بيد السلطة ؟ أم أنّ العملية كلها مناطة بالجامعة أم أن الأمر هو حالة تتنازعها العديد من الأسباب والدوافع والتأثيرات والمؤثرات والقوى .. الخ ؟ لا شك أن الأمر لا يحتاج إلى عناء تفكير ، فالعملية تتفاعل بها الكثير من العوامل وحسبي من يتعامل إستراتيجياً مع هذه الظاهرة لكي يحلل الأمر وببساطة ولكن لكل دوره الحكومة ، المجتمع ، الهيئات التدريسية ، الإدارة ، منظمات المجتمع المدني إن وجدت ، قطاعات الأعمال ببدائيتها .... الخ ، ولكن تتفاوت قدرات كل هذه القوى بين مجتمع عربي وآخر ، وتتباين بين نظام سياسي وآخر وأيضا تتباين جامعة وأخرى وبالتالي لا بد من أن تفعل المنظمة العلمية والبحثية فعلها بمحدودية إمكانياتها فما هي خيارات الجامعة ؟ وكيف يمكن للجامعة أن تكون ذات مواصفات عالمية وعصرية ؟
ودعوني في هذه المعالجة أن أدخل مدخلاً يركز على صيغة من الجامعة – إلى الجامعة ، وفي هذا المدخل ما يبعدنا عن ما لا نرغب في الدخول به وبالتالي فالجامعة يمكن أن تشكل نظاماً يتكون من هياكل مؤسسية وعمليات وأدوات أي بصيغة المعادلة يمكن القول :
النظام (الجامعة) =هياكل وبنى مؤسسية + عمليات تعليمية وبحثية وخدمة مجتمع + أدوات
وكل عنصر من هذه العناصر يمكن أن يشكل محوراً للتطوير والتحديث والعصرنة ومن ثم التأثير في مجتمعه بقيم وأعراف مشتركة بنتها الجامعات فكيف يمكن أن نحلل هذا الخيار :
المؤسسات
ويقصد بها منظمات الجامعة من كليات وأقسام ومراكز بحثية : ويتم التطوير عبر تطوير
أولا :ً البنية المؤسسية
تغيير البنية المؤسسية من خلال تشريعات وقوانين تصدر من مؤسسات تشريعية منتخبة وليست صورية وإذا ما توفرت تصبح عملية التغيير طبية وباتجاهها الصحيح وليست وفق نظرة ضيقة غير شرعية .
مجلس الجامعة
وهو الهيئة الإدارية والرقابية المشرفة على إدارة الجامعة ويتكون من :
رئيس الجامعة
عمداء الكليات والمراكز العلمية
ممثلون عن منظمات المجتمع المدني ، الطلبة ، نقابات المعلمين ، منظمات البيئة ، منظمات الطفولة ، منظمات المرأة .
ممثلون عن بلدية المدينة ، التعليم الأساسي التربية ، الصحة ، مجلس المدينة في المدينة التي تعمل بها الجامعة
أما رئيس مجلس الجامعة فينتخب من بين العديد من المرشحين وفق شروط منها / أستاذ ، شهادة دكتوراه ، عمل في التدريس فترة لا تقل عن 10 سنوات ، له خبرة في العمل البحثي والتأليف ومشهوداً له .
إن الشرط الأساس يتمثل في ما يلي :
رئيس الجامعة عضواً من أعضاء مجلس الجامعة ولا يمكن أن يترأس مجلس الجامعة .
البنى التنظيمية والإدارية فتعد وفق متطلبات العمل .
الملكية والتمويل
لا شك أن التمويل يتبع الملكية ولما كانت الدول العربية زاخرة بأنماط ملكية مختلفة الأشكال والصيغ ، فلكل نموذج سماته الإيجابية والسلبية فيمكن أن يصاغ إلى كل الأنماط وتشترك فيها الحكومة والقطاع الخاص والقطاع الأجنبي وفق التشريعات الخاصة بذلك .
ثانياً : العمليات
العنصر الثاني هو العمليات ويمثل في الجامعة ثلاث عمليات هي :
التعليمية والبحثية وخدمة المجتمع ، وعلى الجامعة بناء المعايير الخاصة التي توفر غطاءً علميّاً لمخرجاتها من خلال المراقبة والإشراف وبالتالي فإن الحكم على الجامعة يكون من عملياتها التي تنعكس في مخرجاتها وهي :
الأطر المؤهلة تأهيلاً عالمياً
البحث العلمي الرصين
الاستشارات العلمية والخبرات وبرامج التعليم المستمر لمدى الحياة لمختلف الفئات
ثالثاً : الأدوات
لا بد من أن توفر الأدوات اللازمة للجامعة العصرية وهي :
أ. الأماكن المناسبة ( بنايات وحدائق ومختبرات ومكتبات وخدمات مصرفية وخدمات رياضية وأخرى ترفيهية ... ) عالية الكفاءة
ب. التكنولوجية المتقدمة من معلوماتية واتصالاتية
ج . اللغة الإنكليزية والفرنسية وتوفرها كأداة لا بد من أن يتقنها الطالب
وبعد ،
هذا المقترح أو السيناريو لمواصفة عالمية لجامعة عصرية قد لا يبدو بعيد المنال وقد يتوفر ولكن لا بد من أن يتوفر أساس صلب كمواصفة لمخرجات الجامعة العصرية وبوظائفها الثلاثة التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع .
المادة العلمية



تقنية الحاسوب اللغة الإنكليزية
البحث العلمي : البحث الإداري
إضافة معرفية


تحكيم نزيه نشر وإفصاح

خدمة المجتمع

الاستشارة العلمية


مسؤولية اجتماعية مسؤولية بيئية
استنتاجات
لقد كان تقرير التنمية الإنسانية في الوطن العربي بمثابة المرآة التي يمكن أن تظهر ما لم يكن ظاهراً ، وتنير ما كان مظلماً ، وبالتالي فقد كان بمثابة تشخيص لواقع مرير في كل تفاصيله ، وما أحرانا نحن معشر الباحثين والمتخصصين في الإدارة أن يكون لنا في هذا نصيب ، فالمشكلة تخص الإنسان وأداتها وهدفها الإنسان وبالتالي فكل إداري معني بهذا التقرير من قريب أو بعيد ، والأهم من كل هذا أن ما طرحه التقرير يخالج كل إنسان معني بالأمر ! ودعوني أوجز بعض الاستنتاجات :
أولاً : مما لا شك فيه أن المنظمة وليدة بيئتها ، وبالتالي فالجامعة ذات المواصفات العالمية التي ترقى نحو العصرية لا بد أن تكون نابعة من بيئة تحمل نفس السمات وبعكس هذا يصبح الكلام غير ذي معنى مثله مثل كل ما كتب منذ عشرات السنين ، لذا ينبغي أن يكون العمل متكاملاً مجتمعياً سياسياً ومنظماتياً وإدارياً واقتصادياً وعلمياً ، وبالتالي فتحرير التعليم العالي لا بد من أن يكون تحرراً متكاملاً سياسياً واقتصادياً ومالياً ومن ثم قطاع التعليم العالي والصحة ... الخ .
ثانياً : لما كانت التغيرات التي يشهدها العالم في الجانب التكنولوجي دراماتيكية في طبيعتها ومتسارعة بشكل يصعب اللحاق بها ، فإن هذا يلقي على الجامعة عبئاً إضافياً ويشكل أمامها تحد عليها تجاوزه وبعكسه تصبح الجامعة ليست مصدر إشعاع فكري وإنما مؤسسة ومصنع للبطالة .
ثالثاً : يعد عضو الهيئة التدريسية محوراً مهماً من محاور الجامعة العصرية وعاملاً مهماً في إعادة هيكلة التعليم العالي وتحريره ، وأهم ما في الأمر البناء المعرفي والمهاري لعضو الهيئة التدريسية والذي سينقل بدوره تلك المعرفة والمهارة للطالب فإذا كان المدرس لا يمتلك المعرفة فهو لا يستطيع نقلها للطالب وإذا لم يمتلك المدرس المهارة فكيف ينقلها للطالب وكما نعلم فاقد الشيء لا يعطيه .
رابعاً : تحرير التعليم العالي وتأسيس جامعات أهلية وأجنبية أمر جميل ففيه المرونة وحرية صناعة القرار ولكن الأمر المهم ما هي الأسس التي تستند عليها الجامعات أياً كانت أهلية أم عامة أم أجنبية من تشريعات وقوانين وآليات وتمويل ... الخ وبالتالي لا بد من النظر إلى نظام التعليم العالي أو الجامعة من أنه مؤسسات وعمليات وأدوات ، إنها نظام له تقاليد وأعراف .
خامساً : لبناء جامعات عصرية لا بد من تحقيق متطلبات الحكم الراشد أو الصالح Governance وهو ما تضمنه السيناريو المقترح ، وأن بقاء رئيس الجامعة كشخص رئيساً تنفيذياً للجامعة ورئيساً لمجلس الجامعة وهو الكل في الجامعة ، يعني عدم تحقيق الحكم الصالح إذ لا بد من رئيس لمجلس الجامعة غير رئيس الجامعة ليطلق العنان للعمداء للعمل من دون خوف أو وجل وبالتالي تتركب العناصر الثلاثة أسوة بالدولة الديموقراطية البرلمان والحكومة وهيئة الرئاسة ومحاكاة الجامعة لها في الهيئة العليا ورئيسها والعمادات ورئاسة الجامعة .
المراجع :
1. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي ، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002 .
2. المصدر نفسه ، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ص 56 .
3. المصدر نفسه ، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ص 57 .
4. محمد عبدالوهاب العزاوي ، متطلبات نظام إدارة الجودة الجامعية وفقاً للواصفات العالمية ISO 9001 ، بحوث المنتدى العربي الأول ، المواصفات العالمية للجامعات ، المنظمة العربية للتنمية الإدارية ، وهيئة التخطيط ومجلس الوزراء وكلية الحدباء الجامعة ، المنعقد للمدة من 25 – 26 أبريل نيسان 2001 ، الموصل العراق .
5. UNCTAD , World Investment Report ,1999 , United Nations , New York and Geneva , PP . 279-283
6. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، مصدر سابق ، ص ص 54- 57
7. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، مصدر سابق ، ص ص 4-6 .
8. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي ، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002 ، مصدر سابق ، ص 2 .
9.سرمد كوكب الجميل ، الاستثمار الأجنبي في التعليم العالي ، تحليل منظور المؤسسات الدولية ، تنمية الرافدين ، 74 ، 26 ، 2004 .
10 . UNCTAD , World Investment Report ,1999 , United Nations , New York and Geneva , PP . 279-283
مجلة علوم انسانية : العدد 22 ايونيو 2005 : www.uluminsania.net

ليست هناك تعليقات: